مصطفى صادق الرافعي

168

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

يعنّيهم طلبه ، ويعنتهم إدراكه ويعرفون تركيبه ثم لا يجدون له مأتي من النفس ولا وجها من القدرة فذلك هو الكلام المعجز ، بل هو معجزة الطبيعة الكلامية التي لم تعرف في تاريخ أمة من أمم الأرض ، ولا عرف أن بلغاء أمة من أمم الكلام قد أقروا وأجمعوا عليها إجماعا يتوارثونه علما ونظرا على انفساح التاريخ وعاقب الأجيال ، إلا ما كان من ذلك في القرآن ، وما لا يزال الإجماع منعقدا عليه ما بقي في الأرض لفظ من العرب . وإنما اطّرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز من الصوت في الحرف ، إلى الحرف في الكلمة ، إلى الكلمة في الجملة ، حتى يكون الأمر مقدّرا على تركيب الحواس النفسية في الإنسان تقديرا يطابق وضعها وقواها وتصرفها ، وذلك إيجاد خلقي لا قبل للناس به ولم يتهيأ إلا في هذه العربية عن طريق المعجزة التي لا تكون معجزة حتى تخرق العادة ، وتفوت المألوف ، وتعجز الطّوق ، وإنما امتنع أن يكون في مقدور الخلق ، لأنه تفصيل للحروف على النحو الذي يأخذه فيه تركيب الحياة ، من تناسب الأجزاء في الدقيق والجليل ، وقيام بعضها ببعض لا يغني منها شيء عن شيء في أصل التركيب وحكمته ولا يردّ غيرها مردّها ولا يأتلف ائتلافها ولا يجرى فيها ، إلى نحو ذلك مما أجرى اللّه عليه نشأ الخلق وبعث الحياة ، ثم اشتمالها على سر التركيب المكنون الذي جعل البلغاء منها بمنزلة الأطباء في سعة العلم بتركيب الأجسام الحية من الخلية فما فوقها ، دون العلم بالوجه الذي يمكن به التركيب ، على أنهم لا يفوتهم شيء من دقائقه ولا يعزب عنهم مثقال ذرة من مادته ، وهي بعد مبذولة لهم يقلبونها ويستوضحونها ويزدادون بها على الدهر خيره ، ثم ينصرفون عنها وهم في العلم غير من كانوا وهي لا تزال عندهم على ما كانت ! . ولم نر شيئا كان أمره مع العلم ذلك الأمر إلا أن يكون إلهيا ، فقد فرغ الناس من كل ما وضع الناس ، وعارض بعضهم بعضها ، وأبرّ بعضهم على بعض ولم يسلم للمتقدم من الفضل على المتأخر إلا فضيلة احترام الموت واستحياء التاريخ ، وقد بدّلت الأرض غير الأرض وليس فيها من أثر واحد لم يتناوله ناموس النشوء بالنقض من إحدى جهاته على هرم الدهر وتقادمه ، غير القرآن ؛ فإنه طبقة وحده في إعجاز تركيبه وسلامة معانيه ، لم تنقض منه آية ولا كلمة ولا ما دون الكلمة ، ولا ذكر معه شيء من كلام البلغاء . ولا عورض به ولا أزيل عن موضعه ، ولا وزنه عقل إلا كان مرجوحا أبدا ، وما أراده أحد إلا أراده بغير طريقته ، ولا بحث عن طريقته إلا عيّ بإدراكها وبعل بها ولم يدر ما هي ولا كيف هي ولا من أين يأتي لها ، وصار أمره نشرا لا نظام له وعاد علمه جهلا لا بصيرة معه : ولعمري إنه ليس في العجائب كلها شيء أعجب من إمكان أن يكون القرآن مع هذا الإعجاز كله غير معجز . . . ! . ولقد كانت هذه الطريقة المعجزة التي نزل بها القرآن هي السبب في حفظ العربية واستخراج علومها ؛ وما كان أصل ذلك إلا التحدي بها ، فإن من حكمة هذا التحدي أن